عبد الكريم الخطيب

417

التفسير القرآنى للقرآن

آخر ، وأقوام آخرين غير قومه . . وستدور معارك ، وتسيل دماء ، ويبتلى النبي في نفر كريم عزيز من أصحابه ، يسقطون في هذه المعارك ، وسيقوم النبي على توجيه مجتمع إسلامي ضخم ، بعد أن يجيئه نصر اللّه ، ويفتح مكة ، ويدخل الناس في دين اللّه أفواجا ! إن هذا البلاء العظيم الذي ابتلى به الرسول ، هو - كما قلنا - إعداد لما سيستقبل من تلك الأحداث الكبرى ، وإن هذا البلاء أشبه بعمل المحاريث والفئوس ، في شقّ الأرض ، وتقليب تربتها قبل أن يلقى فيها الحبّ . . فذلك هو الذي يتيح لها الجو الصالح ، لأن تعطى خير ما فيها من عناصر الإنبات ، لما يلقى فيها من حبّ ! نقول إنه في هذا الجو الثقيل الخانق ، الذي كان يضيق به صدر الرسول في مكة - خرج إلى الطائف ، يعرض نفسه ، ويقدّم دعوته إلى « ثقيف » يلتمس منهم الاستجابة له ، والنصرة لدعوته ، والمنعة بهم من قومه . . وكان معه في رحلته تلك ، مولاه زيد بن حارثة ! ولما انتهى الرسول الكريم إلى الطائف ، عمد إلى سادة ثقيف وأشرافهم ، فدعاهم إلى اللّه ، فلم ير منهم إلا إعراضا ، وسفها ، وتكذيبا ، واستهزاء . . وكان فيما قال له صاحب كلمتهم : « واللّه لا أكلمك أبدا ! لئن كنت رسولا - كما تقول - لأنت أعظم خطرا من أن أردّ عليك السلام ! ولئن كنت تكذب على اللّه . ما ينبغي لي أن أكلمك ! ! » إنها سفسطة أحمق ، وضلالة ظلوم جهول ! فقام رسول اللّه من عندهم ، وقد يئس من خيرهم ، إن كان فيهم خير ، وقال لهم صلوات اللّه وسلامه عليه : « أما إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا عنى . . » إذ كره رسول اللّه ، أن يبلغ ذلك قومه عنه ، فيغربهم ذلك به ، ويدفعهم إلى